ابن بسام

112

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

لهم بالداهية الدّهياء ، ورؤوسهم بأيدي الولدان لعبا . وأتى ابن ذي النون صريخهم تلك الليلة فصادف منه رأيا مغلوبا ، وقلبا منخوبا ، طار به الذّعر ففرّ ودونه من عبيده أسد الشّرى ، والأسوار شامخة الذّرى ، كأنّما ناجته القتال أضغاث حلمه ، أو رأى وجوه الأقتال في وجوه حرمه ، تجفّل الظّليم ، لا يحفل بالعار المقيم ، ولا يصيخ إلى الصديق الحميم . حدّثت أن زوجه بنت المظفّر بن أبي عامر ، طريد جدّه - كان - من بلنسية ، وابنته منها تبعتاه يومئذ راجلتين نيّفا على فرسخين ، حتى أدركتا بمركوب ، وقد أخذ الجهد منهما بأوفر نصيب . واجتمع مشيخة طليطلة بفناء القصر ، مرتبكين بين اللّجاج والذّعر ، عامّتهم تتطاول بزعمها إليه ، وخاصّتهم تتحيّل المثول بين يديه ، وهم يظنّونه بحيث يرى ويسمع ، ويتوهّمون أنه سيفعل ويصنع . فوجدوه قد أذعن للدنيّة ، وخرج من بعض تلك / المخارج الخفيّة ، ومشى القهقرى ، قبل عير وما جرى [ 1 ] ، فاستأسدت كلابهم لأكل لحم ليس له ناصر ، وهزج ذبابهم أثناء روض ليس [ له ] وارد ولا صادر . ولقوا يومئذ في سؤر الطاغية أذفونش من تلك الجواهر المكنونة ، والذخائر المصونة . وتلاحق بابن ذي النون بقيّة سربه المنفّر ، وفلّ عسكره المدبر ، بحصن من حصونه . وأقام أهل طليطلة بعده أيّاما ولا كالسائمة المهملة نام راعيها ، وأكبثت [ 2 ] مراعيها ، يتهادون لحما بين قديد ومعجّل ، ويرتمون بشحم كهدّاب الدّمقس المفتّل [ 3 ] ، في هياط ومياط ، ولجب واختلاط ، ليس عليهم أمير ، ولا فيهم إلى الصّواب مشير . وتشاوروا في أيّ ملوك الطوائف يحكّمونه فيهم ، ويلقون إليه بأيديهم ، فطار طائرهم ، واختلفت بواطنهم وظواهرهم ، واشرأبّ من كان يليهم منهم لمملكة لم يحكموا إليها أسبابا ، وغنيمة لم يوجفوا عليها خيلا ولا ركابا [ 4 ] . وكان عندهم يومئذ أبو محمّد يوسف بن القلاس البطليوسيّ أحد / عفاريت الضّلال ، وأكلة الأموال ، من رجل أجرأ خلق اللّه على دم وهو أجبن من

--> [ 1 ] من قول الشاعر : « وتعدو القبصى قبل عير وما جرى » وهو للشماخ ( اللسان : عير ومجالس ثعلب 207 ، وفصل المقال : 300 ) والعير هنا فيما يقال هو المثال الذي في حدقة العين ، يريدون قبل أن يطرف الإنسان عينه يعني بأقصى سرعة . [ 2 ] أكبثت : كثر فيها الكباث ، وهو الناضج من ثمر الأراك . [ 3 ] من قول امرئ القيس : فظل العذارى يرتمين بلحمها * وشحم كهداب الدمقس المفتل [ 4 ] ص : ركبانا .